وصفت صحيفة "ديلي صباح" تصريحات تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في القاهرة مؤخرًا بأنها من "أقوى التحذيرات التي وجهتها تركيا لإسرائيل حتى الآن".
وحذر فيدان إسرائيل من تقويض اتفاق غزة، مصرحًا بأن تركيا وقطر ومصر قد تتخذ "إجراءات جذرية" إذا حاولت إسرائيل إفشال الاتفاق. فيما اعتبرت الصحيفة أن تصريحاته تقدم مؤشرًا هامًا على كيفية تعامل أنقرة مع قضية غزة في الفترة المقبلة.
كيف ستفسر إسرائيل هذه الرسالة؟
وأضافت: "السؤال المحوري هو كيف ستفسر إسرائيل هذه الرسالة. لم يكن بيان فيدان مجرد تحذير سياسي أحادي الجانب من تركيا، بل أوضح أن تركيا قد تتصرف بالتنسيق مع قطر ومصر، وأن الإجراءات التي أشار إليها لا ينبغي النظر إليها من منظور سياسي أو دبلوماسي فحسب، بل قد يكون لها بُعد عسكري أيضًا".
ونشأ جدل مماثل عقب توقيع اتفاقية تحالف مكة للدفاع المشترك. وأثار انضمام تركيا والسعودية وباكستان إلى التحالف، في حين لم تكن قطر ومصر من بين الدول الموقعة، تساؤلات في أوساط مختلفة.
وبحسب الصحيفة، فإن البعض سعى إلى تصوير ذلك كدليل على أن العالم الإسلامي لا يزال منقسمًا وغير قادر على العمل الجماعي لمواجهة التحديات الإقليمية.
وشككت بعض الأصوات في إسرائيل، على وجه الخصوص، في مدى موثوقية هذا التحالف. وتساءلت عن سبب عدم انضمام خمس دول إلى هذا التحالف على الرغم من أنها تتشارك مواقف متقاربة بشأن غزة، وتساورها المخاوف بشأن التطورات في سوريا، وتعرضت لهجمات إيرانية أو تتشارك المخاوف بشأن أنشطة إيران العسكرية الإقليمية. وعُرضت الخلافات بين تركيا والسعودية وباكستان وقطر ومصر على أنها مشكلة تواجه العالم الإسلامي ككل.
لكن الصحيفة التركية رأت أنه من المضلل تقييم الوضع الإقليمي بمجرد السؤال عن الدول المنتمية إلى أي تحالف. إذ يمكن للجهات الفاعلة الإقليمية التعاون عبر منصات مختلفة، وبأدوات مختلفة، وضمن أطر أمنية مختلفة.
رسالة للعالم الإسلامي
في هذا السياق، شددت على أن لقاء فيدان بنظيره المصري في القاهرة كان ذا أهمية بالغة، وأن حضور وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان في وقت لاحق من تلك الليلة كان يشكل أكثر أهمية، تلاه التقاط صورة للمسؤولين الثلاثة معًا على مائدة العشاء، حملت رسالة أوسع للعالم الإسلامي: إن عدم انضمام قطر ومصر حاليًا إلى "تحالف مكة" لا يعني أنهما تعملان بمعزل عن الدول الموقعة على الاتفاقيات بشأن القضايا الإقليمية.
من جهة، قالت الصحيفة إن تركيا تعمل على تطوير آلية دفاعية جديدة مع السعودية وباكستان. ومن جهة أخرى، تعزز تنسيقها السياسي والدبلوماسي مع قطر ومصر بشأن غزة. وإذا ما تلاقت هاتان المساران بشكل متزايد، فقد يُشكلان رادعًا إقليميًا أكثر فاعلية تجاه إسرائيل. وينبغي النظر إلى تحركات تركيا الأخيرة في المنطقة في هذا السياق الأوسع.
واعتبرت أن عرض الرئيس رجب طيب أردوغان تقديم الدعم العسكري للبنان، والقدرات العسكرية التركية ووجودها في سوريا، والتقارير الأخيرة المتعلقة بإمكانية إنشاء قاعدة عسكرية في مدينة تبوك السعودية، كلها تشير إلى الدور المتزايد النشاط لأنقرة في بنية الأمن الإقليمي.
وشددت على الأهمية البالغة لمدينة تبوك، الواقعة في شمال غرب المملكة العربية السعودية، على بُعد حوالي 400-500 كيلومتر (250-310 أميال) من إسرائيل.
وقالت إنه إذا أقامت تركيا وباكستان وجودًا عسكريًا هناك، أو استغلتا المنشآت العسكرية السعودية القائمة، أو طورتا هيكلًا عسكريًا مشتركًا، فإن تداعيات ذلك ستتجاوز الدفاع السعودي وحده. قد يصبح هذا الوجود عنصرًا هامًا في الردع الإقليمي ضد إسرائيل.
وأشارت إلى أن الجمع بين القدرات العسكرية التركية، والقوة العسكرية الباكستانية، والموقع الاستراتيجي السعودي، قد يُجبر إسرائيل على إعادة النظر في حساباتها العسكرية في المنطقة.
احتمالية انضمام مصر إلى تحالف مكة
وشددت في الوقت ذاته على أن احتمال انضمام مصر إلى تحالف مكة له دلالة بالغة الأهمية. فمصر منخرطة بشكل مباشر في القضية الفلسطينية، لا سيما بسبب قربها الجغرافي من غزة وسيطرتها على معبر رفح الحدودي. كما أن تحسن العلاقات التركية المصرية في السنوات الأخيرة، إلى جانب تنامي التنسيق بين البلدين بشأن غزة، يفتح آفاقًا جديدة للتعاون في مجالي الدفاع والأمن.
وتابعت: "إذا انضمت مصر في نهاية المطاف إلى تحالف مكة، فقد يتغير الوضع الإقليمي بشكل كبير من خلال توحيد قدراتها العسكرية مع قدرات الدول الموقعة الأخرى ضمن إطار أمني مشترك. وإذا انضمت قطر أيضًا، فإن استغلال نفوذها السياسي والدبلوماسي قد يُسهم في بناء هيكل ردع إقليمي أوسع".
تعزيز الردع العسكري الإقليمي
في هذا السياق تحديدًا، قالت الصحيفة إنه ينبغي فهم إشارة فيدان إلى "التدابير الجذرية".
وأوضحت أن ل المسألة لا تقتصرعلى الضغط الدبلوماسي فحسب، "فإذا ما قوضت إسرائيل اتفاق غزة، أو استأنفت هجماتها على حماس، أو واصلت عملياتها العسكرية في غزة والضفة الغربية، فإن تركيا وقطر ومصر قادرة على الرد ليس فقط عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، بل أيضًا من خلال تعزيز الردع العسكري الإقليمي واتخاذ خطوات عسكرية ملموسة".
بالنسبة لتركيا، اعتبرت الصحيفة أن الأمر لم يعد مجرد إدانة للتطورات في غزة عبر القنوات الدبلوماسية. تدخل أنقرة مرحلةً يُمكن فيها توظيف قدراتها العسكرية وشراكاتها الدبلوماسية وتحالفاتها الدفاعية كأدواتٍ للسياسة الإقليمية. لذا، من الخطأ النظر إلى تحالف مكة على أنه مجرد اتفاقية دفاعية بين ثلاث دول، بل يُمكن أن يُصبح الركيزة العسكرية لهيكلية أمنية إقليمية أوسع.
وخلصت الصحيفة إلى أنه يمكن اعتبار تصريحات فيدان من أقوى التحذيرات التي وجهتها تركيا لإسرائيل في السنوات الأخيرة. وقد يكون لتفسير إسرائيل لهذا التحذير، وكيفية تعاملها مع اتفاق غزة، أثر حاسم، ليس فقط على غزة، بل على التوازن الأمني الأوسع في الشرق الأوسط.
https://www.dailysabah.com/opinion/op-ed/fidans-message-from-cairo-was-warning-to-israel

